تركيا متورطة بغسل الأموال وتمويل الإرهاب

سيكون العام المقبل عاماً حاسماً بالنسبة لتركيا من حيث الشفافية المالية لأنها تواجه خطر الإدراج على القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي، وهي هيئة مراقبة دولية تساعد في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في جميع أنحاء العالم.

فمنذ محاولة الانقلاب في عام 2016، لم تحرز تركيا تقدماً إيجابياً في المساهمة في المكافحة العالمية لهذه الجرائم. بدلاً من ذلك، استخدمت التحقيقات المالية في حملة على المعارضين، مما خلق عبئا هائلاً على السلطات المعنية. وقد تم دمج هذه الجهود مع الإجراءات الحكومية المتكررة لجذب الأصول من الخارج وتحرير تحويلات رأس المال إلى الداخل في إطار خطة لتمويل الاقتصاد التركي الذي يعاني من نقص السيولة المالية وسط أزمة اقتصادية.

ونشرت مجموعة العمل المالي تقرير التقييم المشترك لتركيا لعام 2019، وهو التقييم الثالث لتركيا بعد الوثائق المماثلة المنشورة لعامي 2007 و2014. ووفقاً للتقرير، فإن لدى تركيا ثغرات تتطلب تحسينات جوهرية في التعامل مع انتشار الأسلحة النووية والفساد وتمويل الإرهاب.

ويقول تقرير مجموعة العمل المالي إن محاولة الانقلاب في عام 2016 أدت إلى سقطة في الموقف السياسي التركي، لأن وحدة التحقيقات المالية التركية حققت في القضايا المتعلقة بمدبري الانقلاب المزعومين وجماعات المعارضة، التي وصفتها تركيا بأنها منظمات إرهابية.

ومنذ عام 2016، أجرت تركيا العديد من التحقيقات في تمويل الإرهاب. ومع ذلك، لا تتضمن هذه التحقيقات سوى تحديد الأصول التي يحتفظ بها المشتبه بهم بدلاً من التركيز على كيفية الحصول على هذه الأصول أو استخدامها أو تحويلها. وفشلت تركيا أيضاً في تقديم أدلة إحصائية كافية لدعم الاستخدام الجيد لإطارها القانوني الذي يُمكن السلطات من مصادرة الأصول. وجميع الأصول التي صادرتها تركيا تقريباً - 10 مليارات يورو و99.99 في المئة من إجمالي الأصول - مملوكة لأنصار حركة فتح الله غولن، التي تتهمها تركيا بتدبير الانقلاب الفاشل. لكن المجتمع الدولي لا يصنف الحركة منظمة إرهابية.

ووفقاً لمجموعة العمل المالي، تظل تركيا غير ممتثلة لتنفيذ العقوبات المالية الخاصة بانتشار أسلحة الدمار الشامل والأشخاص المعرضين للخطر سياسياً. وفيما يتعلق بالعقوبات المفروضة على انتشار أسلحة الدمار الشامل، تقول مجموعة العمل المالي إن مشاكل تركيا تشمل عدم وجود أساس قانوني لتنفيذ عقوبات الأمم المتحدة على إيران، مما يجعل "الإطار معيباً في الواقع على المستوى الأساسي" فضلاً عن وجود أوجه قصور أساسية في تنفيذ عقوبات الأمم المتحدة على كوريا الشمالية.

وفيما يتعلق بالأشخاص المعرضين للخطر سياسياً، لا يوجد تعريف في التشريعات التركية ولا تملك المؤسسات المالية وسائل لتحديد هؤلاء العملاء أو المستفيدين.

ولا تزال تركيا ملتزمة جزئياً بعشر نقاط في التقرير. وفي بعض الحالات، تكون الأسباب الكامنة وراء هذا الامتثال الجزئي سياسية وليست تقنية. فيما يتعلق بالعقوبات المالية المستهدفة المتعلقة بالإرهاب وتمويل الإرهاب، على سبيل المثال، فإن التأخير الناجم عن الحاجة إلى التصديق الرئاسي على قوائم الأمم المتحدة هو السبب.

وفي مقال يلخص تقرير مجموعة العمل المالي، قالت صحيفة فاينانشال تايمز هذا الأسبوع إن تركيا يمكن أن تخضع لعملية مراقبة تسمى مجموعة مراجعة التعاون الدولي - ما يسمى بالقائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي - في حالة عدم امتثالها لتوصيات تقرير التقييم المتبادل. كما ذكرت صحيفة فاينانشال تايمز أن الحكومة التركية ضغطت على نطاق واسع لمنع الكشف عن التقرير.

وتمت إزالة تركيا من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي في عام 2014 بعد فترة مراقبة استمرت أربع سنوات. وبناءً على نتائج تقرير التقييم المتبادل لعام 2007، تم تقديم تركيا إلى مجموعة مراجعة التعاون الدولي لمجموعة العمل المالي وتم تحديدها كدولة تعاني من قصور في غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب في عام 2010. وبعد تنفيذ خطة عمل تم الاتفاق عليها مع مجموعة العمل المالي تمت إزالة تركيا من القائمة الرمادية في تقرير المنظمة للتقييم المتبادل لعام 2014.

وتواجه تركيا الآن خطراً كبيراً في العودة مرة أخرى إلى القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي. حالياً، تتم مراقبة 12 دولة، بما في ذلك سوريا وبنما وباكستان. وعندما يتم إدراج بلد ما في القائمة، فقد يواجه مشاكل في تأمين التمويل من المنظمات الدولية ويخضع لعقوبات مالية وتجارية قاسية أخرى. حالياً، هناك دولتان فقط على القائمة السوداء لمجموعة العمل المالي: كوريا الشمالية وإيران.

ويشير تقرير مجموعة العمل المالي إلى أنه على الرغم من عدم وجود مشاكل كبيرة فيما يتعلق بالبنية التحتية التنظيمية في تركيا، لم يكن هناك أي تنسيق للسياسات والإجراءات. وعلى الرغم من اتخاذ الهيئات التنظيمية المالية إجراءات إشرافية، فلم تكن العقوبات المطبقة "فعالة ومتناسبة ورادعة" في معظم الحالات. وقد يكون سبب ذلك عمليات التطهير واسعة النطاق التي شملت الموظفين في السلطات المعنية مما أصاب قدراتهم في مجال الموارد البشرية بالشلل.

السبب الآخر في فشل الحكومة في تنفيذ العقوبات على الجرائم المالية قد يكون تصميمها على جذب الأموال من الخارج للمساعدة في تمويل النمو الاقتصادي. تضمن نهجها تخفيف الرقابة والإشراف على رأس المال للسماح بالتدفقات غير المسجلة. ففي عام 2018، سجل البنك المركزي التركي 21.2 مليار دولار في بند صافي الأخطاء والحذف، وهو أهم مصدر لتمويل العجز في الحساب الجاري. وفي وقت لاحق، تم تنقيح هذا الرقم إلى 17.3 مليار دولار.

وتجري أيضاً إساءة استخدام أحكام خصوصية البيانات في قانون الإحصاء التركي للحد من التتبع. ويتيح حجم تجارة الذهب غير النقدية وإخفاء حسابات التجارة الدولية لحركة الأموال غير المسجلة أن تبدو مثل التجارة الدولية. وبلغت واردات ما يسمى "بدولة لم يكشف عنها" 11 مليار دولار في عام 2018، لتحتل المرتبة الخامسة بين جميع البلدان في عام 2018. وبعد المراجعة، اختفت هذه الدولة المزعومة. وأشارت مجموعة العمل المالي أيضاً إلى عدم وجود إحصائيات مفصلة تتعلق بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

كانت نشرة صادرة عن وزارة الجمارك والتجارة يعود تاريخها إلى عام 2015، والتي حددت إعلانات المسافرين عن مصادر ممتلكاتهم القادمة إلى البلاد على أنها صحيحة، تضفي الشرعية عملياً على التدفقات النقدية غير المسجلة.

وكشفت تركيا أيضاً عن ثلاث خطط لإعادة الأصول إلى الوطن في السنوات الثلاث الماضية تسمح لدافعي الضرائب بإعادة الأصول الأجنبية دون أي تحقيق. ووفقاً للخطة الحالية السارية حتى نهاية عام 2019، فمن خلال دفع ضريبة بنسبة واحد في المئة على أصولهم الأجنبية التي تمت إعادتها إلى الوطن، يُمنح المواطنون الأتراك الحصانة من أي تحقيقات ضريبية سابقة.

وأحد الأسباب الكامنة وراء مخططات إعادة الأصول بشدة إلى الوطن هو عزم تركيا على المشاركة في برنامج التبادل التلقائي للمعلومات بعد عام 2020، وهي خطوة يتعين عليها اتخاذها لتجنب أن يدرجها الاتحاد الأوروبي على القائمة السوداء لعدم التعاون الضريبي.

ولم تنشر تركيا بعد قائمة رسمية بالملاذات الضريبية لقانون الضريبة على الشركات. وبالتالي، فإن تطبيق القوانين الضريبية التي تتيح فرض ضرائب إضافية على التحويلات إلى الملاذات الضريبية أمر مستحيل عملياً، ولا يتطلب تحويل الأموال (غير الرسمية) إلى الملاذات الضريبية أي إجراءات خاصة. يحد هذا أيضاً من فعالية التحقيقات المالية.

ويدل الحجم الكبير لرأس المال الوارد في بند صافي الأخطاء والحذف في إحصاءات ميزان المدفوعات والمراجعات والزيادات الكبيرة غير المفسرة في ودائع العملات الأجنبية على أن ترحيب تركيا بجميع أنواع تدفقات رأس المال قد نجح إلى حد ما. ومع ذلك، كما توضح النتائج في تقرير مجموعة العمل المالي، فإن استمرار هذه التدابير قد يتسبب في حدوث العديد من المشكلات قريباً.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/fatf/financial-transparency-turkey-could-be-grey-listed
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.