سياسات أردوغان تقود الاقتصاد إلى الهاوية

أنقرة – يقود الرئيس رجب طيب أردوغان الاقتصادَ التركي من أزمة إلى أزمة أخرى أشدّ، وذلك في محاولته تخفيف الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعصف بالبلاد من أكثر من عامين، والتي أثّرت بشكل كبير على مختلف مناحي الحياة، وخلّفت جيوشاً من الشباب العاطلين عن العمل، ناهيك عن إفلاس آلاف الشركات، وفقدان الليرة لأكثر من أربعين بالمئة من قيمتها.

وعلى الرغم من الظروف القاسية التي يمرّ بها الاقتصاد التركي، يواصل أردوغان وصهره بيرات البيرق؛ وزير المالية والخزانة، إطلاق الوعود بأن الانفراج قريب وقادم، وأنّ هناك مؤامرة عالمية تستهدف اقتصاد تركيا، ويسوقان معاً ذرائع بعيدة عن منطق الاقتصاد والسياسة، بحسب محللين.

ويشبه الاقتصاد التركي المضطرب اقتصاد لبنان المتضرر من الأزمة، وفقًا لموظف كبير في بلاك روك، أكبر مدير للأصول في العالم مع إدارة 7.4 تريليون دولار.

وقال عامر بسات، المدير العام لشركة بلاك روك، إن سياسات السلطات التركية تعني أن البنوك معرضة لكميات كبيرة من الودائع بالعملات الأجنبية، وطرح زيادة تداول الليرة تزيد من الطلب المحلي على الدولار واليورو.

ولفت إلى أن وضع الاقتصاد التركي يشبه إلى حد كبير وضع الاقتصاد اللبناني المتدهور.

وقال بيسات إن صناعة السياحة في البلاد تنهار أيضا، مما أدى إلى نقص العملة الصعبة، في حين أن تدخلات البنك المركزي في أسواق الصرف الأجنبي تركت احتياطياتها، في المنطقة السلبية.

وتراجعت الليرة التركية لفترة وجيزة إلى ما بعد 7 مقابل الدولار يوم الخميس، مما جعلها قريبة من أدنى مستوى على الإطلاق عند 7.269 مقابل العملة الأميركية التي تم الوصول إليها في منتصف مايو.

وسعت الحكومة التركية إلى حماية الليرة من الضعف عن طريق إصدار أوامر للبنك المركزي ببيع الدولار، مع مطالبته بدعم النمو الاقتصادي من خلال خفض أسعار الفائدة، التي أصبحت سلبية الآن مع الأخذ في الاعتبار التضخم بنسبة 12.6 في المائة.

وفي الوقت نفسه، يزداد عرض النقود بالليرة التركية في تركيا حيث تغرق البنوك التي تديرها الدولة السوق بقروض رخيصة وإعادة هيكلة الأموال الأخرى المستحقة.

وحذر الاقتصاديون بمن فيهم تيم آش، كبير محللي الأسواق الناشئة لدى بلو باي في لندن، هذا الأسبوع من أنه يجب على البنك المركزي مراجعة سياسته النقدية بسرعة. وحث آش على اتخاذ درس "السياسة النقدية 101" لتجنب المزيد من الألم المالي.

وفي لبنان، لا يستطيع المدخرون الوصول بشكل كامل إلى ودائعهم بالعملات الأجنبية وقد تضاعفت أسعار معظم السلع ثلاث مرات تقريبًا. وانخفضت قيمة العملة اللبنانية بنسبة 80 في المئة وتوقف الكثير من المشاريع الاقتصادية في البلاد.

وفي الأسبوع الماضي، حثت فرنسا لبنان على اتخاذ "تدابير تصحيحية جادة وذات مصداقية" لتصحيح اقتصادها. وقال وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان في مؤتمر صحفي مع نظيره اللبناني ناصيف حتي في بيروت "ساعدونا على مساعدتك".

ولدى تركيا تاريخ طويل من الأزمات المالية والانخفاض الشديد في قيمة الليرة. حيث قامت الحكومة بمحو ستة أصفار من الليرة قبل أكثر من عقد بقليل. ووافقت الدولة على أكثر من اثنتي عشرة صفقة احتياطية مع صندوق النقد الدولي، حيث أكملت بنجاح صفقة واحدة فقط - دفع حزب الحاكم الذي يتزعمه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان دفعة من القرض الأخير من أحدث اتفاقية لصندوق النقد الدولي في البلاد قبل الأزمة المالية العالمية لعام 2008.

واستبعد أردوغان المساعدة المالية التي يقدمها صندوق النقد الدولي، وانتقده بسبب توجييه الانتقادات لسياسات حكومته، وقال إن الاقتصاد سوف يتعافى بقوة في النصف الثاني من العام.

هذا وبالكاد تستطيع تركيا الاعتماد على المساعدة المالية من الاتحاد الأوروبي، حيث العلاقات مشحونة بينهما بسبب نزاع مع اليونان حول الأراضي وتدخل أنقرة العسكري في ليبيا.

كما أنّ وكالات التصنيف التي تغطي الديون السيادية التركية ليست مقتنعة بتنبؤات أردوغان المتفائلة.

وفي الأسبوع الماضي، قالت وكالة ستاندرد آند بورز إن الاختلالات الاقتصادية قد تعود إلى البلاد بسبب طفرة الائتمان. ودفع انخفاض قيمة الليرة هذا الأسبوع صحيفة "فاينانشيال تايمز" إلى نشر مقال من قبل هيئة التحرير يدعو إلى جهود علاجية سريعة من قبل الحكومة.

وقالت "فاينانشيال تايمز": إن مقامرة أردوغان بشأن الأموال الرخيصة ودعم العملة باءت بالفشل. وأضافت: "إن الرئيس التركي لا يستطيع الخلط بين القوانين الأساسية للاقتصاد".

وتشكّك المعارضة التركية بصحّة البيانات الاقتصادية التي تعلنها الهيئات الحكومية التركية التي تصفها بأنّها فقدت مصداقيتها واستقلاليّتها.

وذكر زعيم حزب الديمقراطية والتقدم المعارض؛ علي باباجان، الذي ينافس أردوغان أنّه "أولا وقبل كل شيء، يجب إعادة الثقة في تركيا والأرقام". وأضاف: "يجب إصلاح سمعتها".

وقال باباجان إنه أصبح من الواضح الآن للناس ما يحدث لرؤساء المؤسسات الذين لا يعملون بالترادف مع الحكومة.

وخسرت الليرة حوالي 12 بالمئة من قيمتها هذا العام بسبب تداعيات أزمة فيروس كورونا وسط مخاوف من استنزاف احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي وحاجات التمويل الخارجي.