سجال الملف النووي يطغى على تحضيرات الانتخابات الرئاسية الإيرانية

طهران – أكدت الولايات المتّحدة الأربعاء أنّ "لصبرها حدودا" في غياب ردّ من إيران حتّى الآن على اقتراح أوروبي لعقد مباحثات أميركية إيرانية مباشرة بهدف إحياء الاتفاق النووي الإيراني.

وردّاً على سؤال لمعرفة إلى متى سيبقى العرض الأميركي للحوار مع إيران مطروحاً على الطاولة، قال المتحدّث باسم وزارة الخارجية الأميركية نيد برايس للصحافيين إنّ "لصبرنا حدودا!".

وأضاف أنّ العودة إلى "فرض قيود على برنامج إيران النووي يمكن التحقّق منها ودائمة" تمثّل "تحدّياً ملحّاً".

وتابع "لكننا نعتقد والرئيس (جو بايدن) كان واضحا في هذا الشأن، أن الطريقة الأكثر فعالية لضمان عدم امتلاك إيران لسلاح نووي أبدا هي عبر الدبلوماسية، وهذا ما نقوم به الآن".

من جهتها، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض جين ساكي "ننتظر لمعرفة ما سيكون ردّ إيران على الدعوة الأوروبية".

وكانت إدارة بايدن أعلنت قبل ستّة أيام قبولها دعوة وجّهها الاتحاد الأوروبي إلى كلّ من واشنطن وطهران لعقد اجتماع غير رسمي للأطراف التي أبرمت الاتفاق النووي الإيراني في 2015 وذلك بهدف إحياء هذا الاتفاق، لكن السلطات الإيرانية لم تردّ بعد على الدعوة الأوروبية.

وعلى الصعيد الداخلي الإيراني، وقبل أقل من أربعة أشهر على موعد الانتخابات الرئاسية في إيران، لا يزال الإقبال على إعلان الترشح شبه منعدم، مع طغيان الملف النووي على الاهتمامات المتعلقة بالحملات وعملية الاقتراع المقبلة.

ويقول المحلل السياسي أمير محبيان لوكالة فرانس برس "حتى الآن، تبقى الأجواء الانتخابية باردة والتيارات السياسية تحاول رفع حرارتها، (لكن) الناس لا يعيرون (الأمر) اهتماما".

وشهدت آخر عملية اقتراع في إيران، وهي انتخابات مجلس الشورى (البرلمان) في فبراير 2020، إحجاما قياسيا عن المشاركة بلغت نسبته 57 بالمئة.

وفي 17 فبراير الحالي، دعا المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي إلى مشاركة تعكس "الحماسة الثورية"، وتقترن بـ"اختيار صحيح" لانتخاب رئيس "فعّال".

ومن المقرر أن يتوجه الإيرانيون الى صناديق الاقتراع في 18 يونيو، لانتخاب خلف لحسن روحاني الذي يمنع الدستور ترشحه بعدما أمضى ولايتين متتاليتين مدة كل منهما أربعة أعوام.

وستكون مهلة الترشح رسميا بين 11 مايو و15 منه. وحتى الآن، لا يزال وزير الدفاع السابق حسين دهقان المنتمي الى التيار المحافظ، الوحيد الذي أعلن نيته خوض السباق الرئاسي.

لكن يجري التداول بأسماء أخرى عديدة، من دون أن يكون أصحابها كشفوا هم أنفسهم نواياهم الانتخابية بعد.

ففي منتصف فبراير، أبدى "مجمع علماء الدين المجاهدين" الذي يعد من التشكيلات البارزة للمحافظين، نيته تأييد ترشيح رئيس السلطة القضائية إبراهيم رئيسي في الانتخابات.

ولم يكشف رئيسي بعد ما إذا كان يعتزم خوض غمار الانتخابات مجددا، بعدما ترشّح في 2017 ونال أكثر من 38 بالمئة من الأصوات لم تكفِ للحؤول دون إعادة انتخاب روحاني لولاية ثانية.

كما يُطرح اسم رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، أحد أبرز الوجوه السياسية للمحافظين، والذي يتهمه خصومه بخوض حملة مبكرة تحت ستار زيارات رسمية الى محافظات عدة.

كما يتردّد اسم آخر هو الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد المحافظ المتشدد والشعبوي الذي يكثف ظهوره ميدانيا وفي وسائل إعلام خصوصا خارج إيران.

لكن محللين يرون أنه من الصعوبة بمكان أن يصادق مجلس صيانة الدستور على ترشح أحمدي نجاد الذي شغل منصب الرئيس لولايتين (2005-2013)، وسبق للمجلس أن رفض ترشحه مجددا في 2017.

ويقول حميد رضا ترقي، القيادي في حزب المؤتلفة الإسلامية المنضوي في تحالف القوى المحافظة الفائز بانتخابات البرلمان 2020، لفرانس برس إن "خطة المحافظين هي الاتفاق على مرشح واحد".

لكن مدير تحرير صحيفة "شرق" الإصلاحية مهدي رحمانيان يستبعد توصل المحافظين الى اتفاق كهذا.

ويمكن أن يمهّد عدم التوافق الطريق أمام سياسيين يصنفون معتدلين للتقدم الى الانتخابات، مثل الرئيس السابق لمجلس الشورى علي لاريجاني، أو وزير الخارجية محمد جواد ظريف.

أما التيار الإصلاحي الذي يعاني من أزمة سياسية منذ أعوام، فمن غير المؤكد أن ينجح في الاتفاق على اسم، أو حتى أن ينال أي مرشح يطرحه، مصادقة مجلس صيانة الدستور الذي يحظى المحافظون بغالبية فيه، وله الكلمة الأخيرة في المصادقة على الترشيحات.

وفي انتظار أن تبدأ الحملات الانتخابية وتتضح الصورة بشكل أكبر، يأمل المحافظون في أن تصبّ الانتخابات الرئاسية لصالحهم، ما سيعزز موقعهم في السياسة المحلية بعد فوزهم العريض في انتخابات مجلس الشورى مطلع العام الماضي، في مواجهة روحاني والإصلاحيين.

لكن هذه الآمال تبقى غير علنية. وفي غياب أي ترشيح رسمي، تزخر السياسة المحلية بانتقادات متبادلة بين أعضاء مجلس الشورى والحكومة.

وغالبا ما يتهم الأول الثانية بعدم الفعالية لا سيما في مواجهة أزمة اقتصادية سببها الأساسي العقوبات الأميركية، في حين تعتبر الحكومة أن أعضاء المجلس يقومون بكل ما في وسعهم لعرقلة جهودها الدبلوماسية.

وتركز هذه الجهود بالدرجة الأولى على إنقاذ حجر الرحى لعهد روحاني: الاتفاق المبرم عام 2015 مع القوى الست الكبرى بشأن البرنامج النووي.

أنتوني بلينكن
واشنطن تقول إن لصبرها حدوداً

ونص الاتفاق على رفع العديد من العقوبات التي كانت مفروضة على طهران، في مقابل خفض مستوى أنشطتها النووية وضمانات تؤكد ما تقوله حول عدم سعيها لتطوير سلاح نووي.

لكن الاتفاق بات في مهب الريح مذ قرر الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب الانسحاب منه بشكل أحادي عام 2018، وأعاد فرض عقوبات اقتصادية قاسية على الجمهورية الإسلامية انعكست سلبا على نشاطها الاقتصادي وقيمة عملتها.

ورأى روحاني في تولي جو بايدن سدة الرئاسة الأميركية مطلع يناير، فرصة تتيح الخروج من آثار عهد ترامب، لا سيما أن الرئيس الجديد أبدى خلال حملته الانتخابية، عزمه على اتباع مسار دبلوماسي مع طهران والعودة للاتفاق النووي.

لكن في ظل التجاذب بين طهران وواشنطن حول من يجدر به الإقدام على الخطوة الأولى للعودة الى التزامات اتفاق 2015، تبدو العقوبات الأميركية ومسألة رفعها من عدمه، مؤثرة في المسار الانتخابي.

ويقول السفير الفرنسي السابق لدى طهران فرانسوا نيكولو إن "لروحاني كل المصلحة في انتصار دبلوماسي يعيد البريق الى ولايته التي تشارف على الانتهاء".

ويضيف لفرانس برس أنه في حال رفع العقوبات "سيستعيد تياره السياسي، الوسطي والمعتدل، بعضا من رونقه".

ويرى محبيان من جهته أن المحافظين "يضعون الحكومة تحت وابل من الانتقادات" لعدم إفساح المجال لفرصة ظهور مرشح معتدل قادر على المنافسة.

وفي الأسبوع الذي انقضى منذ أن عرضت واشنطن إجراء محادثات مع طهران حول إحياء الاتفاق النووي المبرم عام 2015 فرضت إيران قيودا على أعمال التفتيش التي تجريها الأمم المتحدة وهددت بزيادة مستوى تخصيب اليورانيوم وأطلقت فصائل يشتبه أنها تعمل لحسابها صواريخ على قواعد عراقية فيها جنود أمريكيون.

وفي المقابل ردت الولايات المتحدة وحلفاؤها بريطانيا وفرنسا وألمانيا على ذلك بهدوء مدروس.

وقال مسؤولون أميركيون وأوروبيون إن هذا الرد، أو غياب الرد الملموس، يعكس رغبة في عدم تعطيل المبادرة الدبلوماسية على أمل عودة إيران إلى مائدة التفاوض أو استمرار فاعلية العقوبات الأمريكية إذا لم يحدث ذلك.

وكانت إيران طالبت الولايات المتحدة مرارا بالمبادرة إلى تخفيف عقوباتها التي فرضتها بعد انسحاب الرئيس السابق دونالد ترامب من الاتفاق في 2018. وقالت إنها ستنهي بعد ذلك مخالفاتها للاتفاق التي بدأت بعد عام من انسحاب ترامب.

وقال مسؤول أميركي مشترطا عدم الكشف عن هويته "أيا كان مدى اعتقادهم أن على الولايات المتحدة أن ترفع العقوبات أولا، فلن يحدث ذلك".

وأضاف المسؤول أنه إذا كانت إيران تريد من الولايات المتحدة استئناف الالتزام بالاتفاق "فأفضل سبيل لذلك بل السبيل الوحيد هو الجلوس إلى المائدة حيث يتم بحث هذه الأمور".

وقال دبلوماسيان أوروبيان إنهما لا يتوقعان أن تفرض الولايات المتحدة أو بريطانيا وفرنسا وألمانيا المزيد من الضغوط على إيران في الوقت الحالي رغم ما وصفاه بأنه "استفزازات" من جانبها.

وقال أحد الدبلوماسيين إن السياسة الحالية هي الإدانة مع تحاشي أي شيء يمكن أن يغلق باب الدبلوماسية.

وأضاف "علينا أن نخطو بحذر. وعلينا أن نترقب لرؤية ما إذا كانت الدول الأوروبية الثلاث يمكنها المناورة بين اندفاع إيران وتردد الولايات المتحدة لمعرفة ما إذا كان أمامنا سبيل للتقدم".

وكان الدبلوماسي يشير بعبارة "اندفاع إيران" إلى تسارع انتهاكاتها للاتفاق.

وفي الأسبوع الأخير قلصت إيران تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومن ذلك إنهاء العمل بالتفتيش المفاجئ للمواقع غير المعلنة التي يشتبه أن بها نشاطا نوويا.

وقال تقرير من الوكالة الدولية التابعة للأمم المتحدة إن إيران بدأت تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 في المئة متجاوزة الحد المتفق عليه في اتفاق 2015 وهو 3.67 في المئة.