ذو الفقار دوغان
سبتمبر 12 2019

مشروع أردوغان المجنون.. إسكان مجاني في منطقة آمنة للسوريين

يواجه حزب العدالة والتنمية الحاكم حالة سخط شعبي في تركيا، في الوقت الذي يتداعى فيه الاقتصاد، وهو ما قد يدفع الحكومة للسعى إلى إيجاد حل لبعض مخاوفها الأكثر إلحاحاً في الداخل من خلال خلق مشكلة على صعيد السياسة الخارجية للبلاد.

وقد باتت تركيا في موقف صعب بفعل سياسات الرئيس رجب طيّب أردوغان تجاه سوريا. ففي الأفق تلوح كارثة كبيرة، تتمثل في احتمال نزوح موجة جديدة من المهاجرين من المعقل الأخير للمعارضة في محافظة إدلب. في الوقت ذاته، تقترب التوترات مع المقاتلين الأكراد شرق نهر الفرات من مرحلة الغليان.

وفي ظل احتمالات نزوح نصف مليون طالب لجوء نتيجة لتقدم الحكومة السورية صوب إدلب، هدد أردوغان بفتح الباب على مصراعيه أمام السوريين الراغبين في العبور إلى أوروبا.

في الوقت ذاته، قال الرئيس خلال اجتماع مع قيادات حزب العدالة والتنمية في المحافظات الأسبوع الماضي إنه سيبني منازل فاخرة في المناطق الآمنة التي يؤسسها مسؤولون أميركيون وأتراك شرق نهر الفرات لتهدئة المخاوف الأمنية التركية بشأن الميليشيات الكردية السورية.

وقال أردوغان إن مليوناً على الأقل من أصل 3.6 مليون سوري في تركيا قد يبقون في المنطقة الآمنة، وإن الحكومة ستبني لهم منازل بحدائق مجاناً. أضاف أن التكلفة التي تحملتها تركيا لإيواء اللاجئين منذ أن بدأ الصراع السوري وصلت إلى نحو 40 مليار دولار.

وفي عام 2016، وافقت تركيا على وقف تدفق اللاجئين إلى أوروبا في إطار اتفاق مع الاتحاد الأوروبي. في المقابل، وافق الاتحاد على التعجيل بصرف مبلغ قدره ثلاثة مليارات يورو كان قد خصصه بالفعل لتركيا للتعامل مع مشكلة تدفق اللاجئين. ووافق الاتحاد أيضاً على تقديم ثلاثة مليارات أخرى إذا وفت بوعودها.

وقال أردوغان إن تركيا حصلت إلى الآن على نحو نصف هذا المبلغ فقط، وهو ما نفته ناتاشا بيرتود، الناطقة باسم المفوضية الأوروبية، على الفور. وقالت بيرتود إن تركيا حصلت على 5.6 مليار يورو، وإن المبلغ المتبقي سيتم تسليمه لها في الوقت المحدد. وأشارت إلى أن تركيا قد تحصل على مبالغ إضافية بعد المزيد من التفاوض.

ويريد أردوغان تحويل الأموال مباشرة إلى حكومته، وهو ما سيسمح له بإنفاقها في الأوجه التي يراها مناسبة. لكن الاتحاد الأوروبي لا يرغب في أن يقدم تمويلاً مباشراً لحكومة متهمة بالفساد وعدم الشفافية فيما تطرحه من عطاءات.

وينص الاتفاق على إرسال المبالغ المتفق عليها لتمويل المشروعات عبر وساطة مؤسسات رسمية في الاتحاد الأوروبي، وبنوك الاستثمار والتنمية الأوروبية، ومؤسسات الأمم المتحدة.

في الوقت ذاته، ما زال أردوغان يضغط على الولايات المتحدة، التي تلعب دور الوسيط في إنشاء منطقة آمنة في سوريا.

وتهدد الحكومة التركية باستمرار بإطلاق هجوم على وحدات حماية الشعب الكردية في سوريا، والميليشيات المتحالفة معها، التي تسيطر على المناطق الواقعة على الحدود، والتي تنظر إليها على أنها امتداد للجماعات المسلحة الكردية في تركيا. بيد أن الولايات المتحدة كانت قد حاربت تنظيم الدولة الإسلامية جنباً إلى جنب مع وحدات حماية الشعب هذه، ووافقت على التوسط بشأن المنطقة الآمنة لكي تحول دون تنفيذ هجوم تركي.

وقال أردوغان إنه إذا لم تتأسس المنطقة الآمنة على النحو الذي يُرضيه بحلول نهاية الشهر، فإنه سيتحرك بشكل منفرد ضد وحدات حماية الشعب. وجاء هذا التهديد بعد قليل من تهديده بالسماح بتدفق المهاجرين على الاتحاد الأوروبي. ويرتبط هذان التهديدان ببعضهما البعض.

وبلغت حالة السخط الشعبي بشأن وجود عدد كبير من اللاجئين السوريين ذروتها هذا العام. وناقش أردوغان مراراً خطط إعادة اللاجئين إلى سوريا عبر الحدود.

ويأمل الرئيس في الحصول على دعم مالي دولي لنموذج سيشهد بناء تجمعات جديدة للاجئين السوريين في منطقة سيطرت عليها تركيا.

وقال أردوغان إن هذا قد يشمل بناء منازل بمساحات تتراوح بين 250 و300 متراً مربعاً بحدائق تصل مساحة الواحدة منها إلى 150 متراً. ولتحقيق هذا، يخطط الرئيس لتعبئة إدارة تطوير الإسكان (توكي) المدعومة من الحكومة.

وتوكي معروفة في تركيا بمشاركتها في بعض خطط التطوير العمراني الأكثر إثارة للخلافات في العقود الماضية، بما في ذلك مشروعات بناء على أراض عامة تم إسنادها إلى مقاولين مرتبطين بالحكومة ليجنوا من ورائها أرباحاً طائلة.

ويجعلنا هذا نستشف مَن في الجانب التركي سيكون المستفيد من هذا المشروع. ففي ظل الوضع السيء للغاية الذي يعاني منه قطاع البناء، لابد وأن يكون هذا المشروع مغرياً جداً لأردوغان.

وخضعت مسألة من الذي سيدفع لجدل كبير في تركيا، حيث تساءل الكثيرون ما إذا كان مثل هذا المشروع الضخم واقعياً.

وقال الرئيس من قبل إنه سيسعى للحصول على تمويل لمثل هذا المشروع من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، بالإضافة إلى المملكة العربية السعودية وقطر ودولة الإمارات العربية المتحدة، وإن المقاولين الأتراك سيُدعون لتنفيذ المشروع.

وفي يناير، قال أردوغان إنه ناقش هذا المشروع مع المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وإن رد الاثنين كان إيجابياً.

وقال أردوغان وقتها "في حقيقة الأمر، لقد أثرت الموضوع مع ولي العهد السعودي في قمة مجموعة العشرين في الصين، وقال إنه سيخصص مبلغاً محدداً له، لكن من المؤسف أن أيّاً منهما لم يقدم أي دعم جاد".

وفي ظل وجود عجز في الميزانية بقيمة تصل إلى 70 مليار ليرة (12.1 مليار دولار) ومحدودية الاحتياطي الذي لدى البنك المركزي والخزانة، فإنه لا توجد أي فرصة أمام تركيا لتمويل هذا المشروع وحدها. ومن ثم فإن توفير السيولة لمنازل تبنيها تركيا في المنطقة الآمنة أمر سيحتاج إلى مفاوضات جادة مع شركاء محتملين.

ويمضي الاقتصاد التركي على منحنى نزولي منذ فترة طويلة، لكنه يمر بمرحلة حرجة للغاية منذ أزمة العملة التي حدثت العام الماضي وتسببت في ركود. وتشير بيانات الربع الثاني من العام الجاري إلى أن الاقتصاد ما زال يتجه إلى الانكماش، حيث انخفض الاستثمار 23 في المئة، بينما هبط الناتج المحلي الإجمالي دون المستوى الذي سجّله قبل 12 عاماً.

والأهم من ذلك هو وضع قطاع البناء التركي، الذي شهد على مدى فترة العام ونصف العام الماضية توقف أنشطة مئات الشركات أو اضطرارها للتقدم بطلبات للحصول على حماية من الإفلاس.

وانكمش القطاع بنحو 13 في المئة في الربع الماضي، بينما هبط حجم الاستثمار في البناء بنسبة 29 في المئة. واستمر هبوط المبيعات في سوق الإسكان، مما وصل بعدد المساكن غير المباعة إلى نحو مليون وحدة سكنية.

وأشار تقرير أغسطس 2019 الصادر عن جمعية منتجي مواد البناء إلى تراجع عدد تصاريح البناء بنسبة 60 في المئة في النصف الأول من هذا العام. أدى هذا الانخفاض الحاد في معدلات البناء إلى انخفاض حجم إنتاج مواد البناء بنسبة 20 في المئة.

وإذا كان أردوغان قادراً بأي شكل من الأشكال على توفير التمويل بسرعة، فإن مشروع إسكان المنطقة الآمنة قد يرمي عصفورين كبيرين بحجر واحد، أولهما مشكلة تنامي الغضب الشعبي في الداخل بسبب استمرار وجود ملايين السوريين في تركيا، وثانيهما انتشال قطاع البناء من الانهيار. ويعمل في هذا القطاع حلفاء مقربون من أردوغان ساعدوه على البقاء في السلطة.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/syrian-refugees/erdogans-new-crazy-project-free-safe-zone-housing-returning-syrians
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.