أحوال تركية
سبتمبر 16 2019

هل ينجح أردوغان في إيقاف تفكك حزب العدالة والتنمية؟

إسطنبول – هل دخل حزب العدالة والتنمية الحاكم مسار التفكّك الذي لا مهرب منه؟ إلى أي حدّ يستطيع الرئيس أردوغان الحيلولة دون انهيار حزبه بالكامل؟ هل ينجح في إيقاف تفتّت حزبه أم أنّه سيزيد من عوامل الشقاق ويدفع مزيداً من أعضاء الحزب إلى النفور منه نتيجة سياساته الإقصائية التي توصف بالفاشلة؟

ألا يتّجه حزب العدالة والتنمية إلى تصفية نفسه بنفسه كما تنبّأ له رئيس الوزراء التركي الأسبق أحمد داود أوغلو الذي أعلن عن استقالته منه قبل أيّام، وكان قد علق قبلها على محو صور ومقاطع له أثناء بثّ فيلم وثائقي عن تأسيس العدالة والتنمية؟

وقد انتشرت تسريبات وشائعات وسط قواعد العدالة والتنمية تشير إلى أنباء عن تسرّب مئات، أو آلاف الأعضاء والاستقالة من الحزب، والانضمام للحزب الذي ينوي أحمد داود أوغلو إنشاءه، بالإضافة إلى الحزب الذي يحضّر وزير الاقتصاد السابق علي باباجان لإطلاقه بالتحالف مع الرئيس السابق عبدالله غول الذي كان أحد المؤسسين البارزين للعدالة والتنمية مع أردوغان، ما ينذر بانهيار كامل في حزب أردوغان.

بات من المعلوم للأتراك أنّ الرئيس أردوغان يمرّ بفترة تعدّ من أحلك فترات حياته السياسية والحزبية، فحزبه الحاكم منذ أكثر من سبعة عشر عاماً يسير بسرعة نحو الانهيار والتفكك، ناهيك عن انفضاض رفاقه القدامى من حوله، بعد إقصائه المتعمّد لهم من مواقع قيادية، واستفراده بالحكم الذي سار به نحو الاستبدادية، بحسب وصف معارضيه.

وكان أردوغان همّش قيادات وازنة في حزبه، سار بالحزب إلى الدكتاتورية، كرّس تفرّده بزعامته وأقصى مَن كان يخشى من أيّة منافسة محتملة من قبلهم له، وبخاصة عبدالله غول، وأحمد داود أوغلو، وعلي باباجان، بالإضافة إلى قياديين آخرين كان يشكّ بولائهم له، أو لا يطرحون بعض الأسئلة أو الانتقادات، ولا يذعنون لتعليماته وإملاءاته بصمت وتخاذل.

ويهدّد أردوغان رفاقه السابقين، وضمناً أولئك الذين ما يزالون أعضاء في حزبه، بسياسات عقابية، واتّهامات تتوافق مع سلوك انتقامي عصاباتي، ولا تشير إلى أيّ سلوك حزبي مسؤول، وكانت البداية حين أعلن أنّ مصير المنشقين عن حزبه هو الفشل، ووصفهم بالخونة، وتوعّد بمحاسبتهم.

يدرك أردوغان أن داود أوغلو هزّ عرشه، وزعزع أمانه المتخيّل، أربكه وأحرجه في قصره الذي ظنّه منيعاً، ونغّص عليه نيته بإعادة هيكلة حزبه ومعالجة مكامن الخلل فيه، بحسب ما كان يزعم بعد خسارته المدوّية في الانتخابات البلدية التي أجريت في نهاية مارس الماضي وخسر على إثرها سبع بلديات كبرى، من بينها إسطنبول وأنقرة وإزمير.

داود أوغلو هزّ عرش أردوغان
داود أوغلو هزّ عرش أردوغان

ويلفت مراقبون إلى وجود بضعة تكتّلات اليوم في حزب أردوغان، وهذه التكتّلات تبدو متنافسة فيما بينها على وراثة أردوغان وقيادة الحزب، من جهة البيرق ورجال الأعمال المستفيدون منه، ومن جهة ثانية وزير الداخلية سليمان صويلو وتابعوه، بالإضافة إلى بلال أردوغان الذي كانت تقارير إعلامية ربطته بملفات فساد خطيرة.

وهذه الكتل تفتقر إلى الثقة ببعضها بعضاً، ويسود بينها جو من التنافس الخفيّ الذي تبدأ بوادره تظهر للعلن رويداً رويداً، ولا سيما أن أردوغان أصبح يعرف بأنّه رجل تركيا المريض، في إشارة إلى توصيف السلطنة العثمانية في آخر عهدها، حين كانت توصف بالرجل المريض الذي تقاسم الحلفاء إرثها ومناطق سيطرتها ونفوذها..

ويبدو أنّ من المبكر أن تتفجّر الصراعات بين هذه الكتل غير المتجانسة فيما بينها في وقت قريب، لأنّ هناك خطر المنشقين والمستقيلين الكبار كداود أوغلو وعلي باباجان، والتهديد الذي يلوح من قبلهما يفرض عليها توحيد الصفوف ومجابهة المخاطر، ولاسيما أنّ فئات وشرائح من القاعدة الحزبية والحاضنة الشعبية للعدالة والتنمية تبتعد بدورها عنه لتلتحق بمن حقّقوا إنجازات اقتصادية وسياسية سابقاً، ويشهد لهم بالكفاءة والجدارة في إدارة الدولة والاقتصاد.  

أردوغان المريض، المثقل بجراحه الكثيرة، تتكاثر عليه سهام الانتقادات من الداخل والخارج، وهو الذي كان يظنّ أنّه أكمل انقلابه في مؤسسات الحزب والدولة، واستقام له الأمر، وأبعد المنافسين المحتملين، وضمن لنفسه سنوات من الحكم لا يعكّر أحد صفوها في يوم من الأيام.

لم يستطع أردوغان ترقيع فشله وخيباته في عدد من الملفات، وبخاصة في الملفّ الاقتصادي الذي يشكّل همّاً يومياً يقضّ مضاجع المواطنين الأتراك الذين يعانون المرارات في سبيل تأمين قوت يومهم، ويضطر قسم كبير منهم للعمل أكثر من أربع عشرة ساعة ليتمكن من سد حاجات أسرته الأساسية.

كما لم يفلح في إقناع الأتراك بوجهة نظره عن الإرهاب الاقتصادي الذي يستهدف بلاده، باعتباره المتسبّب الرئيس به، وإن صحّ كلامه أو أخذ على محمل الجدّ من قبل بعضهم، فإنّهم يحيلون الاستهداف الذي يتكلم عنه إليه، لأنّه يهرب إلى الأمام، ويتهرّب من مواجهة الاستحقاقات، ولا يحاول البحث عن حلول مجدية، موضوعية، بل يصرّ على الشعبوية والعنجهية من دون إيجاد سبل معالجة حقيقية للأزمات.

وأبعد أردوغان كذلك تركيا عن حلفائها التاريخيين في الناتو، ولم يتمكن من طرح أي بديل مقنع، ولا تحصين بلاده، بل بات يراهن على إزعاج الحلفاء وتهديدهم وإشهار أوراق ضغطه في وجوههم، من منطلق التأكيد على قدرته على التسبّب بالإيذاء لهم، وإنتاج مشاكل وقلاقل بردود أفعاله الانفعالية الناجمة عن الخوف ومن ثمّ التعاطي بلغة التهديدات، وليس من منطلق المسؤولية المشتركة.

ووسط هذه الدوامة من الصراعات والتكتلات يبدو أن مصير الحزب هو التفكّك لا محالة، لكن السؤال الذي يتجدّد عند هذه المقاربة والتحليل، هل سينهار العدالة والتنمية عبر تصفيه نفسه بنفسه بسرعة وفي وقت قصير، أم سيتسبب بمزيد من الكوارث لتركيا وشعبها؟