"هدية الله" التي قضت على الديمقراطية التركية

مع احتفال تركيا بمرور 60 عامًا على انقلاب 27 مايو 1960، بدأت الدوائر الموالية للحكومة فجأة في الإعلان عن مخاوفها بشأن مؤامرة الإطاحة بالرئيس رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية المحافظ الذي يدير البلاد منذ ما يقرب من عقدين.

وقال كاتب العمود في صحيفة الصباح، إرسين رام أغلو، إنه يخشى أن يختبئ أتباع حركة غولن، وهو رجل الدين الإسلامي الذي ترى الحكومة أنه وراء محاولة الانقلاب في عام 2016، داخل المؤسسات العامة ويخططون لانقلاب ثان مع حزب الشعب الجمهوري المعارض الرئيسي، وحزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد.

وقد كتب رام أوغلو الأسبوع الماضي "لا يزال أتباع هذه الحركة موجودين في الجيش والصحافة والأمن والحكومة والبلديات والسياسة. ستخرج الأمة إلى الشوارع بقيادة حزب الشعب الجمهوري وحزب الشعوب الديمقراطي. ثم سيظهرون هم كمنقذين".

مرت أربع سنوات تقريبًا منذ أن ظهر أردوغان كمنقذ بالنسبة لتركيا، دخل إلى قلوب المواطنين عبر "فيس تايم"، وقناة "سي إن إن ترك"، في الوقت الذي واجهت بلاده انقلابًا في 15 يوليو 2016.

يتذكر القاضي والدبلوماسي القضائي السابق، يافوز أيدين، اللحظة كما لو كانت بالأمس. وشاهد من مانيسا على شاشة التلفزيون عندما هاجمت الطائرات الانقلابية البرلمان، ورد الجيش في المقابل، ودعت المساجد المواطنين إلى الشوارع للدفاع عن الوطن.

وبحلول الفجر، استعادت حكومة أردوغان السيطرة - ووصف الرئيس الشهير محاولة الإطاحة بأنها "هدية من الله" - وشعر أيدين بالأمان الكافي ليعاود النوم من جديد. لكنه استيقظ ليجد نفسه في قائمة الآلاف من القضاة والمدعين العامين الذين سيتم إقالتهم، تم إرسال هذه القائمة على مجموعة واتساب تحت مسمّى "يونيتي إن ذا جوديشيال".

وقال أيدن لـ "أحوال تركية" "ذهبت للنوم كقاض في السادسة صباحاً واستيقظت بعد ذلك بأربع ساعات كإرهابي. كانت هذه سرعة لا تصدق"، مضيفًا أن الحكومة كانت تقوم منذ سنوات بتجميع قائمة بالقضاة والمدعين الذين تنوي إقالتهم.

وقال أيدن "كانوا ينتظرون الوقت المناسب للقيام بذلك، ووجدوا هذا الوقت المناسب في محاولة انقلاب 15 يوليو التي يصفونها بالـ ’هدية من الله’. لم أكن أتوقع أن تكون هذه الهدية ضخمة للغاية".

تم اتهام أكثر من 4500 قاضي ومدع عام، أي حوالي ثلث القضاء، بالصلات مع غولن وتمت إقالتهم. اعترف أيدن بأن الحركة كان لها وجود كبير داخل السلطة القضائية، قائلاً أنه ربما كان 20 بالمئة لديهم بعض التعاطف مع غولن، لكنه قال إن التطهير لم يكن فقط بسبب ذلك.

وعلى الرغم من أنه يقول إنه ليس لديه أي صلة بحركة غولن، إلا أن أيدن شعر بالفخر لكونه من بين الذين تمت إقالتهم، مما يدل على استقلالية عقله وتفكيره. وقال أيدن "معظم هؤلاء القضاة والمدعين ليسوا أتباعاً لحركة غولن. لكن سبب إقالتهم كان لعدم رغبتهم في الركوع والانحناء".

وحتى قبل الانقلاب، وخاصة بعد ذلك، قامت حكومة أردوغان بتسليح السلطة القضائية، باستخدام تهمة الإرهاب كأداة لضرب أي شخص لا يحني رأسه، من متظاهري "غيزي" في منتصف عام 2013 إلى المؤيدين الأكراد ونشطاء مؤيدين للسلام في أواخر عام 2015 وأوائل عام 2016، بالإضافة إلى عدد لا يحصى من الصحافيين المنتقدين والمعارضين السياسيين.

وقال أيدن "لم يكن القضاء مستقلاً على الإطلاق في تركي. ولكن بصفتنا قضاة صغارًا في السن، كان لدينا أمل كبير في أن تتحسن الأمور".

عمل أيدن في شؤون الاتحاد الأوروبي في وزارة العدل اعتبارًا من عام 2005. وفي هذا الوقت، ألغت تركيا عقوبة الإعدام وأجرت إصلاحات قضائية أخرى صديقة للغرب مع بدء مفاوضات انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي.

وسرعان ما ظهرت بوادر مؤامرة انقلاب بقيادة الجيش. وفي قضيتين كبيرتين تعرفان باسم "إرغينيكون" و"باليوز"، تم اتهام زعماء هذه المؤامرة وسجنهم في نهاية المطاف، بناءاً على أدلة مشكوك فيها. 

وقال أيدن "بعد قضيتي إرغينيكون وباليوز، رأينا كيف تسير الأمور حقًا وانهارت أحلامنا. رأينا مرة أخرى أنه تم استخدام القضاء كأداة لقمع بعض الناس، للترهيب. والآن جاء دور أتباع حركة غولن ليتم تخويفهم".

وبعد الانقلاب الفاشل في عام 2016، ربطت الحكومة أكثر من 600 ألف مواطن تركي بحركة غولن، الذي يعيش في الولايات المتحدة منذ أكثر من عشرين عامًا والذي اختلف مع أردوغان في عام 2013 بعد سنوات من التعاون. تم اعتقال ربع مليون شخص وسجن أكثر من 100 ألف شخص. يقول أيدن إن هذه الأرقام تمثل حوالي 10 أضعاف عدد المحاكمات الناتجة عن الانقلابات التركية السابقة.

تم القضاء على السلطة القضائية. ووجد تقرير لرويترز أن ما يقرب من نصف القضاة والمدعين العامين في تركيا البالغ عددهم 21 ألفاً - على الأقل 45 بالمئة - لديهم خبرة ثلاث سنوات أو أقل، وفي بعض المحافظات يبلغ متوسط عمر القضاة 25.

وقال أيدن "لم يعد أحد يهتم بالعدالة. إنهم يريدون أن يكون القضاء هم الأداة المثالية لتعزيز حكمهم الاستبدادي".

وفي عموده الأسبوع الماضي، أشار رام أوغلو إلى التعليقات الأخيرة لرئيس حزب الشعب الجمهوري في اسطنبول كانان كافتانجي أوغلو، الذي توقع حدوث تغيير في الحكومة "من خلال عقد انتخابات مبكرة أو بطريقة أخرى". وعلى الرغم من أن رام أوغلو عبر عن خوفه من الأخير، إلا أن السيناريو الأكثر احتمالاً أنه هو والحكومة يخشون الإطاحة بهم عبر الوسائل الديمقراطية. لقد اكتسب حزب الشعب الجمهوري مكاسبه، كما رأينا في الانتخابات المحلية العام الماضي، وقد شهد الاقتصاد التركي انكماشاً آخراً خلال أزمة فيروس كورونا، حيث سجلت الليرة أدنى مستوى لها على الإطلاق.

وفي العام الماضي، سعى أردوغان ومسؤولون آخرون لربط حزب الشعب الجمهوري بحزب الشعوب الديمقراطي، وهو حزب وصفوه مرارًا بأنه إرهابي وجزء من حزب العمال الكردستاني، الذي يشن تمرداً في جنوب شرق تركيا منذ عقود.

وقال أيدن، الذي عمل مستشار تركيا للعدالة في بروكسل من 2011 إلى 2014 "بالنسبة للحركة الكردية، هذا ليس جديدًا".

وخلال هذه الفترة، عمل أيدن في قضية بينار سيليك، عالم الاجتماع والمدافع عن المجتمعات الكردية الذي اتهم بالتورط في انفجار عام 1998 في بازار "سبايس بازار" في اسطنبول، والذي قتل فيه سبعة أشخاص. لم يجد أيدن أي دليل على تورط سيلسك في الانفجار، والذي عزاه العديد من الخبراء إلى تسرب الغاز، وقدم ذلك إلى رؤسائه.

يقول أيدن "لقد ضحكوا وسألتهم ’لماذا تضحكون؟’. قالوا أنني أقيم في بروكسل منذ سنوات عديدة. وقالوا كذلك ’لقد أبقينا على عشرات الآلاف من الأشخاص في السجن بدلائل أقل بكثير من كونهم أعضاء في الجماعات الإرهابية".

وكما هو الحال مع انفجار اسطنبول، استفادت الحكومة التركية استفادة كبيرة من الانقلاب الفاشل، واستخدمته لتدمير الضوابط والتوازنات وسيادة القانون إلى حد كبير، وخنق المعارضين السياسيين والبرلمان وحرية الإعلام وحرية التعبير.

يقول أيدن "لقد تم القضاء على كل هذه الضوابط. من شبه المستحيل التراجع الآن"، مضيفًا أنه حتى المؤسسات الغربية الرئيسية كانت تمكّن تركيا من الانحدار الديمقراطي.

وتتمثل إحدى المشاكل في استمرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ومقرها ستراسبورغ في وصف المحكمة الدستورية التركية على أنها علاج محتمل لإخفاقات نظام العدالة التركي. تتجاهل المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان آلاف الأحكام المشكوك فيها الصادرة عن المحكمة الدستورية، وفقًا لأيدن، لأنه إذا حكمت بأن المحكمة الدستورية غير شرعية، فإن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ستصبح المكان الافتراضي لعدد لا يحصى من القضايا التركية.

وقال أيدن "ستكون هناك مئات الآلاف من الحالات التي تصل إلى ستراسبورغ دفعة واحدة وهم لا يريدون حدوث ذلك، ولا يريدون هذا العدد الكبير من القضايا المتراكمة. حتى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أصبحت جزءًا من المشكلة وليس جزءًا من الحل".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-democracy/gift-god-crushed-turkish-democracy