أحوال تركية
سبتمبر 17 2019

أردوغان ومزاعم الحرص على وحدة الأراضي السورية

أنقرة - عمل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على استغلال الأزمة السورية، ولعب دوراً كبيراً في تأجيج الحرب السورية، طيلة السنوات الثماني الماضية، وما يزال يمضي في استخدامه للملفّ السوريّ كورقة ضغط من أجل تحصيل الدعم والمساندة لحكومته المتداعية، في أزمتها الاقتصادية المتفاقمة.

يزعم أردوغان حرصه على وحدة الأراضي السورية، وكأنّه ليس أكثر مَن قام بدور تخريبي في سوريا، وساهم بتكريس مناطق نفوذ وسيطرة، ودعم عصابات ذات ولاء له، ما أجّج الصراع وقام بتسعير الحرب أكثر فأكثر.

ولا يخفى أنّه حيث يتحدّث أردوغان عن وحدة الأراضي السورية، ويدّعي حرصه عليها، فإنّه يقصد الإدارة الذاتية الكردية شرقي الفرات، والتي تشكّل همّاً مقلقاً لتركيا وأمنها القومي، باعتبار أنّ من شأن تأسيس أو تكريس أيّ كيان إداري كرديّ في شمال شرق سوريا إثارة الأكراد في تركيا، وتشجيعهم على المطالبة بحقوقهم التي يسلبها منهم أردوغان.

وبعد أن قام الجيش التركي بغزو عفرين واحتلالها في أعقاب عملية غصن الزيتون 2017، فرض عليها حصاراً مدمّراً، وعمل على تغيير بنيتها الديمغرافية، وإحلال جماعات سورية موالية له مجلوبة من الغوطة وأماكن سورية أخرى في كثير من القرى والمدن في المنطقة، وتعامل بوحشية وانتقامية مع أبناء المنطقة الأكراد الذين تمّ تلفيق تهم مختلقة لهم من أجل معاقبتهم على عدم الانصياع للأوامر التركية والجماعات المعارضة المتشدّدة.

وجاء احتلال عفرين، والسيطرة المطلقة على مناطق درع الفرات، كخطوة في إرساء التقسيم الجغرافي لوحدة الأراضي السورية، ما يتنافى مع مزاعم أردوغان بحرصه على سوريا من التقسيم، أو ادّعائه بأنّ وحدة الأراضي السورية خطّ أحمر.

ومن المعلوم أن أردوغان اعتمد سياسة الحدود المفتوحة للداخل السوري، قام بفتح المطارات والأبواب أمام الجهاديين المتشددين القادمين من مختلف الدول للقتال في سوريا، وكانت الاستخبارات التركية تنسّق معهم وتقوم بتمهيد الطريق لهم من أجل تشكيل ميليشياتهم الموالية لها، أو تلك التي تأتمر بإمرتها، وقامت بدعمها بالأسلحة والعتاد من أجل توظيفها لخدمة مصالحها في سوريا.

واستخدمت تركيا الجماعات المتشدّدة، ومنها فرع القاعدة في سوريا؛ جبهة النصرة التي قامت بتحويل اسمها إلى هيئة تحرير الشام، وما تزال تسيطر على مناطق واسعة في محافظ إدلب، ولم تتمكن تركيا من الإيفاء بالتزاماتها التي تعهّدت بها في اتفاق سوتشي بين روسيا وتركيا، والذي أخّر هجوم قوات تابعة للنظام السوري مدعومة بالطيران الروسي

زاد أردوغان من دعمه للجماعات المتشدّدة
زاد أردوغان من دعمه للجماعات المتشدّدة

سعى أردوغان إلى التوسّع انطلاقاً من سوريا، في مسعاه لتحقيق حلمه باستعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية التي يعتبر نفسه الوريث الشرعي لها، ولاسيما بخلطته الإيديولوجية الدينية والقومية، وحرصه على إظهار العظمة وبأنّ تركيا بقيادته ستحقق الأسطورة التي تصبو لتحقيقها بالتحوّل إلى قوّة عالمية مَهيبة، من دون أن يتحلّى بالواقعية ويعترف بأخطائه وفشله وخيباته والأزمات التي تسبّب بها لبلاده.  

وبعد أن أدرك خيبته في سوريا، وعدم قدرته على الاستيلاء عليها، عبر تصدير معارضة تابعة له، تحوّل إلى العبث والتخريب، وزاد من دعمه للجماعات المتشدّدة التي بدأت بدورها بقضم أجزاء من الأراضي السورية، وحاولت إلحاقها بتركيا، والدعوة للولاء لأردوغان باعتباره مدافعاً عن حقوقها وإظهاره على أنه حاميها الرئيس، بحسب زعمها وظنّها.

لم يكتفِ أردوغان بتهديد الغرب بورقة اللاجئين السوريين، بل قام بفتح الحدود أمامهم سنة 2016 من أجل التدفّق إلى الأراضي الأوروبية، وإحراج حكوماتها، ومطالبتها بدعم تركيا اقتصادياً وسياسياً، وإلّا فإنّه سيحرص على غضّ النظر عن تدفّق اللاجئين إلى أوروبا..

يشير معارضون أتراك إلى أنّ أردوغان، بهذه الصيغة والذهنية، ارتضى واختار لنفسه، دور حارس الحدود الشرقية لأوروبا، والمطالب بالأتاوة على تأديته مهمّة معيّنة، واستلام أجره عليها، وممارسة الابتزاز كلّ مرّة، وليس كرجل يتعاطى بمسؤولية رئيس دولة إقليمية ذات ثقل ووزن وتأثير في جوارها ومحيطها الإقليمي والعالمي.

عاد أردوغان للتهديد بفتح الأبواب أمام اللاجئين السوريين للعبور إلى أوروبا قبل أيام، وطالب الدول الأوروبية بتقديم الدعم والمساندة له في مسألة المنطقة الآمنة التي تطالب بإنشائها على الحدود السورية التركية، وذلك بإدارة تركية، الأمر الذي تعارضه الولايات المتّحدة وتتفاوض معها على تفاصيله.

ويأمل أردوغان أن يقوم بتحويل المنطقة الآمنة المزمع إنشاؤها إلى منطقة نفوذ تركية، أو منطقة تابعة موالية لتركيا بشكل مباشر، ما يشكّل خطوة أخرى على طريق تقسيم الأراضي السورية التي يزعم دفاعه عن وحدتها.

ويبدو أن أردوغان لم يتمكّن بعد من تحقيق طموحاته في الهيمنة على مزيد من الأراضي السورية لانتزاعها والتمهيد لتبعيتها المباشرة لتركيا، على غرار عفرين والباب وغيرهما من المناطق التي استولت عليها جماعات متشدّدة تابعة للمعارضة الموالية لتركيا.

كما يبدو أنه فشل يوم أمس، أثناء قمّة أنقرة، بإقناع الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والإيراني حسن روحاني بمشروع المنطقة الآمنة التي يسعى إليها، وظهر كأكبر الخاسرين في الحرب السورية، كما فشل حتّى الآن، ولم يتمكّن بعد من إقناع واشنطن بوجهة نظره حيالها، ولا بطلبه المتكرّر بإيقاف الدعم للإدارة الذاتية الكردية وقوات سوريا الديمقراطية.

يلفت مراقبون إلى أنّ الوحدة التي يدعو إليها هي تلك التي تستبعد الأكراد، وتقضي على الإدارة الذاتية الكردية التي أثبتت قدرة وفعالية في إدارة المنطقة ذات الغالبية الكردية، بدعم مباشر من الولايات المتّحدة التي أنشأت عدداً من القواعد في سوريا، وقامت بتدريب قوات سوريا الديمقراطية، ما أزعج تركيا التي تطالب بإيقاف الدعم العسكري والسياسي الأميركي لتلك القوات التي حاربت تنظيم داعش، والجماعات المتشددة الموالية لتركيا في الرقة ومنبج ومناطق درع الفرات، وحققت انتصارات ميدانية عليها.  

عملت تركيا على تغيير بنية عفرين الديمغرافية
عملت تركيا على تغيير بنية عفرين الديمغرافية