العلمانيون الأتراك بين الصعود والخلل

اكتسبت السياسة العلمانية قوة دفع في تركيا منذ إلغاء انتخابات بلدية إسطنبول التي أجريت في الحادي والثلاثين من مارس، وهو قرار مناهض للديمقراطية تماماً. وبعد سنوات عديدة، يشعر المواطنون الأتراك الذين يؤيدون الفصل الواضح بين الحكومة والدين فجأة بالفخر والثقة.
يعطينا الزخم المتزايد للسياسة العلمانية فرصة لتحليل خطابها المهيمن في العديد من القضايا. فيعيش العلمانيون حالة من النشوة بعد الانتخابات المحلية الأخيرة. ويتحدث العلمانيون الواثقون الآن عن أفكارهم السياسية بخلاف انتقاداتهم لحزب العدالة والتنمية الحاكم.
ويبدو أن المد العلماني الجديد في تركيا مهووس باليسار. في الواقع، هذا أكثر من مجرد ارتباط وظيفي بأيديولوجية، لكنه يكاد يكون ولاءً ميتافيزيقياً، أقرب إلى ولاء حزب العدالة والتنمية تجاه الإسلام.
لا يوجد خطأ في هذا. ومع ذلك، في الحالة التركية، طور العلمانيون فكرة سلبية للغاية عن الليبرالية، التي يرون أنها شيء يجب أن يخجل منه المرء. في الخطاب العلماني، لا يُنظر إلى الليبرالية كخيار سياسي سيئ، بل وصمة عار.
تاريخياً، يميل نحو ثلثي الناخبين الأتراك إلى التصويت لصالح أحزاب الوسط أو يمين الوسط، والتي تميل بدورها إلى دعم أجندة اقتصادية ليبرالية. نتيجة لذلك، فإن نظرة العلمانيين لليبرالية قد تساعد الإسلاميين فحسب على توحيد هؤلاء الناخبين.
لقد تمت شيطنة الشيوعية في تركيا، وعلى الرغم من أن الأمر قد يثير السخرية، فلا ينبغي لليساريين العلمانيين أن يساهموا في شيطنة الليبرالية في تركيا. فمن خلال هجماتهم التي لا تنتهي على الليبرالية، يجعل العلمانيون الإسلاميين الخيار الأيديولوجي الوحيد لأكبر دائرة انتخابية في تركيا. ربما يكون أداء السياسيين العلمانيين في تركيا أفضل إذا أدركوا أن الليبرالية خيار سياسي شرعي.
ومع ذلك لا ينبغي أن ننسى أن صعود اليسار في صفوف العلمانيين الأتراك حدث في أواخر ستينيات القرن الماضي. الجدير بالذكر أن مؤسس الجمهورية التركية، مصطفى كمال أتاتورك، لم يكن مهتماً أبداً بالفكر الاشتراكي. عند قراءة الوثائق القانونية الرئيسة في فترة حكمه بما في ذلك الدستور التركي لعام 1921، نرى أنه لا شك في أن الملكية الخاصة قد تم الاعتراف بها كقاعدة أساسية.
أثناء نسخ العديد من الرموز القانونية من مختلف الدول الغربية، لم يكن أتاتورك مهتماً بأي إلهام شيوعي أو اشتراكي على المستوى القانوني. لا ينبغي لأحد أن ينسى أن أتاتورك، مثله مثل جميع الأتراك الشباب، كان مصدر إلهامه يتمثل في أحداث مثل الثورة الفرنسية والفلاسفة الغربيين مثل جون ستيوارت ميل. يكاد يكون من المستحيل العثور على إشارة أساسية إلى الفكر الاشتراكي في تشكيل صورة أتاتورك الفكرية.
في هذا السياق، ثمة نقطة حرجة أخرى نلاحظها في الزخم العلماني في الآونة الأخيرة وهي الخطاب المعادي للغرب، والذي قد يكون أكثر حدة من خطاب الإسلاميين. ومن المفارقات أن العلمانيين والإسلاميين، الذين يتحدون بعضهم بعضاً في كل قضية أخرى، يشتركون في خطاب عنيف مناهض للغرب في السياسة الخارجية.
الغريب أن المثقفين اليساريين العلمانيين في تركيا غير مهتمين بقراءة انتقائية للغرب. وبدلاً من ذلك، فإنهم يتسامحون بل ويتقبلون الانتقادات المناهضة للغرب. ومع ذلك، دعونا لا ننسى أن حوالي 99 في المئة من المثقفين الأتراك العلمانيين واليساريين الذين تركوا تركيا في السنوات الأخيرة بسبب الاستبداد يعيشون اليوم في دول غربية. ومع ذلك، فإن تيار تركيا العلماني الصاعد يصدر خطاباً معادياً للغرب.
ووفقاً لدراسة أجرتها جامعة قادر هاس عام 2018، ينظر المواطنون الأتراك إلى روسيا باعتبارها أجمل بلد، بعد الإجابة الأكثر شيوعاً وهي أذربيجان. الدول الغربية مثل الولايات المتحدة وألمانيا في أسفل القائمة، بعد دول مثل الصين وإيران. إذا كنا نثق في مثل هذه الدراسات، فقد يبدو أن الجمهور التركي يريد توجهاً للسياسة الخارجية المعادية للغرب.
تؤكد مثل هذه الدراسات أيضاً أن العلمانيين، الذين طالما كانوا يحملون راية السياسات المؤيدة للغرب في تركيا، يتخلون فيما يبدو عن هذا الموقف التقليدي. لا تعطينا بيانات استطلاعات الرأي أي فكرة عن رأي الأحزاب العلمانية مثل حزب الشعب الجمهوري المعارض الرئيسي في الغرب.
بناء الزخم العلماني واليساري اليوم مفيد بالفعل للديمقراطية التركية. ومع ذلك، فإنه يعطي أيضاً بعض الإشارات المثيرة للقلق: معاداة الغرب ومزيج غريب من اليسار مع القومية وأخيراً عداوة تأتي بنتائج عكسية تجاه الليبرالية.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/istanbul-rerun/turkeys-secularists-are-rising-and-flawed
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.