الاقتصاديون، الضحايا الجدد لنظام أردوغان والأيديولوجية الإسلامية

 

تمر تركيا منذ فترة بأزمة اقتصادية تحولت في نهاية المطاف إلى أزمة هيكلية. ولقد تجاوز ما تشهده تركيا حدود أزمة اقتصادية عادية؛ إذ أصبحنا نراقب اليوم بأم أعيننا كيفية توقف كل الديناميات الاقتصادية في البلاد. والأخطر من ذلك أن الأزمة الاقتصادية اكتسبت مع مرور الوقت طابعًا سياسيًّا، الأمر الذي يتطلّب إجراء تحليل سياسي أيضًا للأزمة.
لا شكّ أن التحليل السياسي للمشاكل الاقتصادية ينطوي على أهمية قصوى لمعالجة القضايا الحرجة بصورة صحيحة، مثل المراحل التي ستصل إليها الأزمة فيما بعد.
 
هناك بعض النقاط التي تبرز في التحليل السياسي للأزمة الاقتصادية التي تشهدها تركيا.
 
أولا، لقد أصبحت العقلانية السياسية في تركيا هي الحاسمة والمحددة تمامًا. فمع أن الأنشطة والقرارات الاقتصادية يتم تحديدها في الظروف العادية وفقًا للعقلانية الاقتصادية في المقام الأول، وإن تؤخذ بنظر الاعتبار الحسابات السياسية بنسبة معينة. لكن في تركيا اليوم يتم تحديد سياسة الاقتصاد على أساس  الحسابات والقرارات السياسية، وتكشف المعطيات الحالية أن هذا النهج سوف يصل إلى مراحل متقدمة في الفترة القادمة.
 
ثانيا، لن تستطيع تركيا استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية القائمة على الإنتاج، مع بعض الاستثناءات. لأن الشركات الأجنبية لن ترغب بالاستثمار في تركيا إلا في المجالات ذات الفوائد العالية فقط. وبطبيعة الحال، فإن تركيا أصبحت منذ وقت سوقًا يهتمّ به المضاربون أكثر من المستثمرين.
والحكومة تدرك هذا جيدًا، وسوف تتجه إلى إقامة علاقات مع المضاربين باعتبارها واحدةً من المتلاعبين في السوق. سوف تقول لهم ما يريدون، لكنها لن تنجز ما تتعهد لهم، بل  ستلعب على وتر التصورات السياسية الضحلة للمضاربين وستستغل رغبتهم في تحقيق أرباح كبيرة على المدى القصير.
نعم، سوف تقول الحكومة للمضاربين ما يريدون أن يسمعوا. سوف تؤكد لهم عبر قنوات إعلامية أن تركيا تريد التحالف والتوصل إلى الحل مع الاتحاد الأوروبي. ستلمح يومًا أنها ترغب في الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، وستزعم يومًا آخر أنها تعتزم تعيين شخصية علمانية لمنصب وزير الاقتصاد، في مسعى لطمأنة المستثمرين.
على عكس الاعتقاد السائد، فإن المضاربين يقيمون وزنًا أكثر مما يُعتقد لمثل هذه الأساليب التكتيكية وينخدعون بسهولة. ذلك لأن المضارب يركّز على كسب أكبر قدر من المال خلال أقصر وقت. ولهذا السبب، فإن التقلبات في أي بلد، سواء كانت صعودًا أو هبوطًا، تصبّ في صالحه في كثير من الأحيان، وإن كانت تلحق به ضررًا في الظاهر.
وكذلك سوف تجرّب الحكومة حظها في أسواق المشتقات المالية، من قبيل بيع الدولارات في الأسواق الضحلة، وزيادة تكلفة تبادل العملة المحلية، وتغيير أسعار الخصم والاستقطاع، وذلك بعدما باتت عاجزة عن تحقيق النجاح في المجالات الاقتصادية الحقيقية مثل الإنتاج.
كل هذه الخطوات قصيرةُ الأجل، ولا يعد أي منها نشاطًا اقتصاديًا حقيقيًا. ومع ذلك، فإن إدارة الاقتصاد في تركيا محكوم عليها بأن تكون قصيرة الأجل بسبب ضخامة الأزمة التي تواجهها.
لكن من المؤكد أن هذه الألعاب البهلوانية قصيرة المدى لها ثمن، حيث تخسر البلاد الوقت والمال في آن واحد. كل بلد يفعل مثل هذه الأشياء عندما يتعلق الأمر بالتزامات قصيرة الأجل. ولكن عندما تصبح هذه الألعاب البهلوانية عادة المسؤولين عن إدارة الاقتصاد فإن وقت البلد وأمواله تنفق في سبيل إنقاذ اليوم فقط.
 
ثالثا، سوف يؤدي الانكماش الاقتصادي الراهن إلى تضخيم دور الدولة وتأثيرها في المجال الاقتصادي. وكلما تعمقت الأزمة وطالت مدتها فإن الاقتصاد التركي سوف يصبح أكثر دولتيًّا.
 
لكن يجب أن لا يغيب عن البال أن هناك سببين آخرين مستقلين عن الأزمة الاقتصادية الراهنة يعملان منذ فترة على توسيع نطاق تأثير الدولة في المجال الاقتصادي.
فالأول الإيديولوجية الإسلامية. ففي التحليل الأخير، تتطور الأيديولوجية الإسلامية لتصبح الدولة مركزية في مجال إدارة الاقتصاد. وهذا ينطبق على حزب العدالة والتنمية أيضًا؛ إذ انتهت الآن علاقة الحزب العملية مع الليبرالية بعدما تم تطويرها في أوائل الألفية الجديدة لكسب الدعم الدولي ومكافحة الوضع الراهن "الكمالي" في الداخل. 
أما السبب الثاني فهو الاستبداد. فبعدما دخلت تركيا في دوامة من الاستبداد فإنه لم يعد بالإمكان إعطاء مساحة حرة للفعاليات الاقتصادية.
لا يخفى أن نتائج الاستبداد ليست موجهة فقط للصحفيين والأكاديميين، بل التجار والصناعيون كذلك يدفعون ثمن النتائج المريرة للسلطوية. ومن السذاجة بمكان التوقع بأن تجد الجهات الاقتصادية الفاعلة مناطق مستقلة في ظل غياب وسائل الإعلام المستقلة.
وإذا أضفنا الأزمة الاقتصادية إلى كل هذه الديناميات، فإن تأثير الدولة في الاقتصاد سيزداد. فمثلما أضفت الدولة صبغتها على وسائل الإعلام الحالية فإنها ستصبح بشكل أو بآخر لاعبًا أساسيًّا في الاقتصاد أيضًا.
رابعًا، سيتجه نظام أردوغان إلى زيادة الغموض الاستراتيجي في القضايا الاقتصادية، وستسود حالة من الضبابية على الأرقام والإحصاءات والأخبار المعلنة عن الاقتصاد. وكذلك ستظهر مناطق رمادية في جميع المجالات، بدءًا من معدلات التضخم والبطالة وانتهاءً إلى البيانات الكلية الأخرى نتيجة لسياسة الغموض الاستراتيجي هذه.
وأخيرًا، لقد أصبح الاقتصاد قضية أمنية. ونرى أن اعتقال هذه الكثرة من الصحفيين لم يعد خبرًا مثيرًا للاهتمام في تركيا اليوم، بل الأخبار الاقتصادية هي محطّ أنظار الجميع، خصوصًا المسؤولين، وتشكّل منطقة حساسة يجب توخي الحيطة والحذر. أعني أن المحللين والخبراء الاقتصاديين أصبحوا بعد اليوم قضية أمنية للدولة، وأن الاقتصاديين الذين ينبّهون إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية سيكونون أكثر الناس عرضة لغضب الدولة في الفترة القادمة.
خلاصة القول: العقلية الدولتية الأمنية هي التي ستحدد الاقتصاد التركي بعد اليوم، وستسعى لتكميم أفواه كل من ينبس ببنت شفة عن الجوانب السلبية للاقتصاد.. لذا ليس من المستبعد أن نتوقع أن يكون الاقتصاديون الضحايا الجدد لنظام أردوغان.
 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضًا:

https://ahvalnews.com/tr/ekonomi/ekonominin-fiilen-nasil-durdugunu-izliyoruz
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.