احتلال وتتريك.. إنشاء دولة تركية على الأراضي الكردية

 

مع أن تركيا لم تصل تمامًا إلى النتائج التي استهدفتها من وراء هجمات عمليتها العسكرية "نبع السلام" التي بدأت في 9 أكتوبر، إلا أنها تتخذ خطوات ترمي إلى بقائها بشكل دائم في تلك المناطق بما يتناسب مع هدفها الاستعماري "اكتساب أراضٍ" جديدة و"استعادة الأراضي المفقودة"، والذي تسعى لتحقيقه منذ السنوات الأولى لاندلاع الحرب الأهلية السورية.
لا أظن أنه هناك إجابة قاطعة للتساؤل بشأن مدى قدرة تركيا على البقاء هنا من عدم ذلك؟ ولكن استنادا إلى ما يجري في الحسكة وفي تل أبيض وفي عفرين من الواضح أن تركيا لن تخرج بسهولة من هذه الأراضي، كما كان الأمر في نموذج قبرص بالضبط.
ووفقا للأخبار الواردة من المنطقة تكافح تركيا حفاظًا على وجودها هناك، وتنشئ جدارًا حدوديًا على سبيل المثال في كل من الحسكة وتل أبيض مثل الجدار الحدودي في عفرين؛ وتُوطن في المنطقة التركمان السُّنة المجلوبين من تركيا وإدلب، وكذلك الأتراك الأويغور؛ وتفتتح المدارس هناك، وتجعل اللغة التركية لغة التعليم الإلزامي، وتعين مسؤولين في المنطقة.
زعماء الاتحاد الأوروبي الذين وصفوا التحرك الروسي باتجاه القرم عام 2014 بأنه "احتلال" وتحدثوا عن فرض عقوبات على روسيا يردون، بعد خمس سنوات كاملة من هذا، على احتلال "روجافا" وتحركات تركيا للاستقرار بالمنطقة بمجرد أنهم "يشعرون بالقلق إزاء ذلك"، ولا يفرضون أية عقوبات.
وبالرغم من أن التقرير الذي تم إعداده من قبل قسم الخدمات العلمية في البرلمان الاتحادي "البوندستاغ" الألماني، والذي من أعضائه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، قد ورد فيه لفظ "احتلال"، إلا أنه -في كل فرصة تسنح له- لم يُهمل التصريح بِــ"أننا نتفهم مخاوف تركيا الأمنية".
وقد ورد في هذا التقرير –وبإيجاز- أنه فيما يتعلق بحق تركيا في الدفاع عن نفسها لم يتكون تهديد ملموس بقدر كافٍ من أجل إقامة منطقة آمنة، وأنها -وفقًا للقانون الدولي- لا تمتلك حقًا نافذًا للدفاع، وأن العملية العسكرية التركية هي محاولة احتلال تعتمد على استخدام القوة المفرطة.
كما أن الخطاب الإعلامي المقدم قبل العملية العسكرية إلى الأمم المتحدة بتوقيع فريدون سينيرلي أوغلو الممثل التركي الدائم لدى الأمم المتحدة هو وثيقة بعيدة كل البعد عن الكشف عن المبررات الملموسة للعملية التي يتم إسنادها إلى القانون الدولي، وهي ليست إلا مجرد اتهامات، ولهذا السبب لا يمكنها أن تخلق شرعية دولية، وإنما تمثل مصدرًا للطرح القائل بأن هذه العملية "احتلال".
لقد انكشف من خلال الممارسات التي اضطلعت بها تركيا في المنطقة كم أن وصف العملية بـِ"الاحتلال" ليس مجرد اتهام، وإنما هو تنبؤ، وكم أن ردود الفعل المتصاعدة من المجتمع المدني الدولي محقة.
وكي تُفصل عن سورية المنطقة التي تشمل مدن تل أبيض والحسكة، والتي يبلغ عرضها 120 كيلو مترًا وعمقها 30 كيلو مترا بدأت تركيا في إنشاء أسوار خرسانية في مطلع شهر ديسمبر.
وجُعل الموظفون المعينون من قبل تركيا في هذه المناطق مسؤولين وإداريين عليها. وقد بدأ والي أورفه عبد الله أرين يتردد باستمرار على هذه المناطق ويدير بشكل مباشر أعمال البرلمان هناك وكأنها ولاية أو مقاطعة تركية جديدة، وصرح أمام الكاميرات بأن تل أبيض "مدينة رائدة ونموذجية".
وتكشف الخرائط التي تُعرض مؤخرًا في وسائل إعلام حزب العدالة والتنمية أن تركيا تمددت خارج حدودها التي كان تم ترسيمها بموجب معاهدة لوزان، وأنها توسعت بحيث تضم حلب والموصل بل وجزءًا من أراضي اليونان وبلغاريا.
ووفقًا لهذه الخرائط فإن هدف تركيا الرئيسي والأساسي ليس إقامة "منطقة آمنة مؤقتة" في روجافا، بالعكس إنه الاستيلاء على جزء معين من الأراضي السورية، وضمه إليها. وهذا لا يقتصر على الإدارة فحسب؛ إذ من الوارد احتلال المنطقة من الناحية الاقتصادية والثقافية أيضًا.
فبعد طرح الزيتون وزيت الزيتون المزروع في عفرين في السوق المحلي التركي وكأنه بضاعة تركية محلية، فقد صرح أردوغان في خطابه أمام قادة العالم في الأمم المتحدة في جنيف مؤخرًا بأنه يريد حصة من النفط المستخرج في المنطقة، وأنه سيمول بهذه الحصة المساكن التي يريد إنشاءها في المنطقة الآمنة وعودة اللاجئين.
إن أردوغان يرغب ليس في توطين اللاجئين السوريين وغالبية اللاجئين من العرب السنة المقيمين في تركيا بالمناطق التي احتلها، بل واللاجئين القادمين من دول مثل تركمنستان وأوزبكستان وطاجيكستان وأذربيجان وأفغانستان المعروفة بالإسلام الرجعي في تركيا، ليحدث بذلك تغييرًا سكانيًا جذريًا في الوقت نفسه؛ وفقًا لتقرير أعدته الاستخبارات التركية.
وكان ياووز سليم كيران نائب وزير الخارجية شارك في المؤتمر الخامس للتركمان السوريين، والذي عقد في أعزاز نهاية أكتوبر الماضي، وألقى كلمة قال فيها إنه يجب تعزيز ودعم التركمان في هذه المنطقة، وأنهم سيواصلون نضالهم بتصميم وحزم حتى يحصلوا على أرض آمنة للتركمان، وأنهم سيعطون المنطقة إلى التركمان الذين هم أصحابها الحقيقيون.
من الواضح أن السكان الأكراد، الذين كانوا يشكلون الأغلبية في المنطقة منذ مئات السنين، يتم ترحيلهم منها بشكل ثابت، ويجري تنفيذ مراحل مشروع تتريك المنطقة؛ حيث يتم تتريك الشوارع والقرى والأحياء والمدارس، وفرض تعليم اللغة التركية في المدارس. وعلى حد قول موسى عنتر، فإن تركيا لا تزال تخلق مشاكل كردية جديدة عبر إقامة دولة تركية على أرض الغير، على أرض الأكراد.
ومن الخطوات التي اتخذتها تركيا في المناطق التي احتلتها إنشاء المدارس، وتأسيس الجامعات، وإظهار الاحتلال وكأنه "حملة توعية" وتجميل وجهه؛ فبعد قرار إنشاء كلية في عفرين تابعة لجامعة غازي عنتاب، سُميت مدرسة في تل أبيض باسم "نبع السلام" وفقًا لمقطع فيديو نشرته وزارة الدفاع الوطني لأغراض دعائية.
ففي هذه المدرسة الابتدائية التي اسمها الكامل "نبع السلام مشرفة الحاوي" تأتي اللغة التركية كواحدة من اللغات الإلزامية التي سيتعلمها الأطفال. ذلك أن الأكراد ليسوا أصحاب المنطقة الحقيقيين وفقًا لمفهوم الاحتلال التركي، بل العرب السُّنة والأتراك. لذلك كان الإبعاد القسري للسكان الأرمن والآشوريين والمسيحيين والأكراد من هنا وتوطين العرب السُّنة والأتراك بدلًا منهم، والتعليم الإلزامي للغة العربية والتركية نتيجة "طبيعية" لهذا الفهم.

 

لا يسجل التاريخ أن الدول التي دخلت أراضي غيرها خرجت لوحدها من جديد. إما تم إخراجهم من قبل أصحاب تلك الأراضي الحقيقيين عبر الكفاح ضد الغزو والاستعمار، أو أنهم ظلوا مستعمرين محتلين في تلك الأرض لعدة قرون.
وعندما ننظر إلى تاريخ الاستعمار، وندرس أيضًا البلدان الأفريقية وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط، نرى العديد من الأمثلة على ذلك.
إن ما سيحدد مستقبل تركيا في "روجافا" هو النضال والموقف الذي سيتخذه الأكراد والشعوب الأخرى التي تعيش في هذه المنطقة.

 

 
- الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي "أحوال تركية".

- يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/kurtler/kurt-arazisine-turk-devleti-insa-etmek
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.