الإسلاميون ينقلبون على الديمقراطية في تركيا

يعد إلغاء نتيجة الانتخابات المحلية في إسطنبول هجوما واضحا ومتقنا على الديمقراطية في تركيا. فقد رفض النظام الإسلامي في تركيا نتائج الانتخابات باستخدامه أساليب الوصاية من خلال السلطة القضائية.

لقد أثبت إلغاء الانتخابات في إسطنبول مرة أخرى أن حزب العدالة والتنمية الإسلامي لم يعد قادرا على البقاء عبر ممارسات السياسة العادية. فبقاؤه بات يعتمد على السياسات السلطوية والانتهاكات المنهجية لسيادة القانون.

إن قرار إلغاء انتخابات إسطنبول يبرهن أن حزب العدالة والتنمية الإسلامي قد تملكه اليأس. وهذا اليأس ربما يدفعه لاتخاذ مزيد من القرارات الخطيرة التي تنذر بعواقب وخيمة ويمكن أن تزعزع استقرار تركيا. وبإلغاء انتخابات إسطنبول، كسر الإسلاميون تقليدا يرجع تاريخه إلى أواخر القرن التاسع عشر. فمنذ العام 1876، لم ترفض أي سلطة حاكمة في تركيا نتيجة انتخابات، ومن المرجح جدا أن يكرر حزب العدالة والتنمية مثل هذه الخطوات في المستقبل لضمان بقائه السياسي. 

بعد إلغاء انتخابات إسطنبول، باتت لدينا الآن أدلة ملموسة ترجح أن الإسلاميين لن يتنازلوا عن السلطة من خلال صناديق الاقتراع.

والهجوم على الديمقراطية ليس بجديد في تركيا. فمنذ العام 1960، تعرضت الديمقراطية لكثير من الاعتداءات المباشرة وغير المباشرة. غير أن هناك فرقا بين الوصاية الكمالية في الماضي ونظام الوصاية الإسلامي الحالي. ففي الماضي، وعلى الرغم من الأضرار الجسيمة التي ألحقوها بتركيا، كان الكماليون يتمتعون بنوع من الالتزام الأيديولوجي الذي قيد تحركاتهم إلى حد ما. لكن في عهد حزب العدالة والتنمية، فإن ما نواجهه هو استبداد من أجل البقاء السياسي والمصلحة الذاتية فحسب يخلو من أي نوع من الالتزام الأيديولوجي. ذلك ليس استبدادا من أجل الأيديولوجية، بل هو استبداد في سبيل البقاء السياسي والشخصي ومن ثم فإنه أكثر تدميرا بطبيعة الحال.

لذا، من الواقعي أن يتوقع المرء من حزب العدالة والتنمية السعي لإضفاء الطابع المؤسسي على النظام السلطوي في تركيا من خلال تدمير الديمقراطية بشكل صريح وواضح.

لقد عبر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نهر روبيكون، وسيحاول البقاء في الحكم حتى مماته. ما نراه في حزب العدالة والتنمية هو حزب سياسي لا يطيق خسارة السلطة. وبالتالي، ما الذي يمكن أن يصل إليه النظام في نهاية المطاف في العقلية الإسلامية؟

في النظرية السياسية، يطلق على أنظمة الحكم في دول مثل أذربيجان وسوريا اسم "الجمهوريات الملكية". ففي مثل هذه الأنظمة، يحكم الرئيس البلاد ويترك منصبه لفرد آخر من أفراد أسرته – عادة ما يكون ابنه – من خلال انتخابات مزورة.

وقد أخذ أردوغان يرقي صهره وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق منذ سنوات، حتى بدا أنه ثاني أقوى رجل في البلاد. فالبيرق ليس وزيرا فحسب، بل يتمتع بنفوذ قوي في كثير من مؤسسات الدولة الأخرى في أنقرة. وفي حين أنه لن يساعد أردوغان على البقاء سوى المزيد من الاستبداد، فمن المرجح جدا أن ينتهي المطاف بمسيرة الإسلاميين في تركيا نحو الاستبداد إلى نموذج غريب من الجمهوريات الملكية. ثمة علامة استفهام كبيرة على ما إذا كان أردوغان سيستطيع تأسيس مثل هذا النموذج في تركيا، لكن الأرجح أن الرئيس لن يتوانى عن بذل أي جهد من أجل البقاء.

هناك أيضا ديناميات مهمة أخرى لها دور على الساحة السياسية بعد إلغاء الانتخابات في إسطنبول.

بادئ ذي بدء، صارت القضية الكردية الآن أكثر أهمية واستراتيجية. ما من شك أن أردوغان سيحاول القضاء على التحالف الفضفاض بين حزب الشعب الجمهوري العلماني، حزب المعارضة الرئيسي في البلاد، وحزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد.

وللحيلولة دون ذلك، يحتاج حزب الشعب الجمهوري إلى تطوير خطاب سياسي جديد بشأن القضية الكردية لأن توافقه الحالي على مضض مع حزب الشعوب الديمقراطي سيوضع على محك الاختبار بفعل تصاعد التوترات المرتبطة بالمشكلة الكردية.

يمكن لحزب الشعب الجمهوري أن يشكل قوة موازنة في مواجهة أردوغان على صعيد القضية الكردية باقترابه من الموقف الإسلامي التقليدي الذي يتبناه حزب السعادة الصغير، وهو نهج شامل يخلو من النعرات القومية وينطوي على إمكانات كبيرة لتوطيد الحوار مع الأكراد.

ثانيا، مع القرار الصادر يوم الاثنين بإعادة الانتخابات في إسطنبول، أعلن النظام الإسلامي أن المشكلات الاقتصادية التي تواجهها البلاد لا تمثل أولوية. فمن الآن فصاعدا، لن يكون الاقتصاد سوى انعكاس للسياسة - فالسياسة هي الأداة الوحيدة المتاحة حاليا، وعهد الرشد الاقتصادي قد ولى. الدينامية الوحيدة هي بقاء أردوغان، وهذا هو أساس الاقتصاد التركي. أما المناقشات حول كيفية تحرك البنك المركزي في بعض المسائل أضحت الآن أمرا ثانويا؛ فالبنك سيتحرك على الطريقة التي يريدها منه أردوغان.

وأخيرا، فإن إلغاء الانتخابات البلدية في إسطنبول خلق بعض الديناميات الجديدة الإيجابية للوزراء السابقين المنتمين لحزب العدالة والتنمية علي باباجان وعبد الله غول وأحمد داود أوغلو، الذين ترددت أنباء عن أنهم يعكفون على تشكيل أحزاب جديدة. بيد أنهم يحتاجون أيضا إلى خطاب واضح لمواجهة إلغاء الانتخابات والطعن فيه. فإن ظلوا صامتين أو حاولوا التقليل من شأن الأمر، سيجدون أنفسهم في نفس السلة مع أردوغان.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/islamisation/islamist-post-modern-coup-turkey
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.